د/ عبد الاله كليل ..التعالق النصي في ديوان “بريد العالم السفلي” للدكتور علي المتقي

img

تنبني هذه الدراسة على مقاربة نقدية تهدف إلى إيضاح علاقة الخطاب الشعري للشاعر علي المتقي بما سبقه من الخطابات الثقافية عامة، وبالخطابين، الديني والشعري خاصة؛ فالأول يمثل منابع الثقافة الدينية (القرآن الكريم والسيرة النبوية) ويمثل الثاني الخطاب الشعري الموروث بشكل مباشر وغير مباشر، وعبر بعدين دلالي وتركيبي.

يشكل التعالق النصي في صورته النصية في المنجز الشعري علاقة خطاب أدبي وفكري يتعالق ويتقاطع مع خطاب آخر، وإن الدراسة النقدية في هذه الحالة معنية بشكل  أو بآخر بتفكيك خطاب الآخر، وتمييزه بشكل أكثر وضوحاً ودقة، لكي نستجلي حدود العلاقة بين خطاب المؤلف وخطاب الآخر، مدركين أن ثمة علاقة داخلية دينامية بين الخطابين[1]. كما يسعى هذا التعالق النصي إلى رصد المرجعية الثقافية للشاعر علي المتقي“، وتوضيح درجات الاتباع والإبداع، من خلال الفعل الشعري للتناص كما استطاع الشاعر أن ينجزه عبر الاجترار أو التكرار أو الحوار الخلاّق.

لقد أتاحت التجربة الحياتية الثرية للشاعر علي المتقي” والتي ساهم فيها أولا البعد الزمني الكامن في الطفولة بمعاناتها، والمراهقة المصحوبة بالشغب، والشباب حيث الاستقرار والاتزان خاصة بعد الحصول على شهادة الباكالوريا، والالتحاق بالمركز التربوي الجهوي، ثم الجامعة لمتابعة الدراسات العليا، والعمل بالسلك الثانوي التأهيلي، وبعدها الالتحاق بسلك المكونين، فالتدريس بالجامعة، وثانيا البعد المكاني المتمثل في الهجرة من مدينة زاﯕورة إلى مدينة الرباط العاصمة فمدينة مراكش الحمراء، بالإضافة إلى تأثره بالتيار اليساري وبأستاذيه “أحمد المجاطي المعداوي كبور” و”محمد العمري“، كلها عوامل أسهمت في تكثيف وعي الشاعر بثرات زاخر يتضمن تعالقات نصية، يمكن حصرها في التراث الديني والشعري والتاريخي والرمزي والأسطوري، تحددت ملامحها الفنية والموضوعية من خلال التجربة الشعرية للشاعر “علي المتقي“. وسوف تدور مقاربتنا التحليلية لديوان الشاعر “بريد العالم السفلي” في دوائر التعالقات النصية الدينية والشعرية والرمزية، راجين أن نتمكن من الحلول في ذاته الشاعرة وإدراك العلاقات الدلالية الكامنة تحت سطح نصوصه الشعرية.

1-  التعالق النصي في الخطاب الديني الإسلامي

يمثل الخطاب الديني الإسلامي مرجعية ثقافية واجتماعية وفكرية للشاعر “علي المتقي“، فمن أرضيته ينطلق الشاعر للتعبير عن رؤيته للعالم، باعتباره -أي الخطاب الديني- محور العلوم والمعارف.

يمثل الشاعر عصره وموقفه من قضايا هذا العصر. وهذا ما دفعه إلى البحث عن ذاته ضمن فضائل الخطاب المرجعي، وبخاصة الخطاب الديني؛ لما يمثله من شرعية اجتماعية ومصالحة مع النفس، مقابل صراعه مع معطيات الحياة بشكل عام، والجانب الاجتماعي منها بشكل خاص. ويعد القرآن الكريم السمة القارّة في الخطاب الديني، وبالتالي، فإن العودة إليه شعرياً تعني إعطاء مصداقية متميزة لمعاني الخطاب الشعري، وذلك انطلاقاً من مصداقية الخطاب القرآني نفسه. غير أن هذا الأمر لم يكن العامل الوحيد، فقد تعددت العوامل بتعدد النصوص، وطبيعة التناص، لما لهما من خصوصية؛ ولكن ذلك لم يمنع من إمكانية وضع علاقة التناص مع القرآن الكريم في حقل كبير، يجسّد شكل التعامل معه، هو الاقتباس.

وردت صور الاقتباس من القرآن الكريم والسيرة النبوية، منها ما هو لفظي لتحقيق غايتين لهما أهمية بالغة في الإنتاج الشعري “الإيقاع والدلالة“، ومنها ما هو موضوعاتي لتحقيق البعد السردي. ومثال ذلك ما ورد في قول الشاعر:

المجنونُ جَحظتْ عيناهُ….

        تاهْ… !

رمى عقلَهُ في غياباتِ الجُب

          واستراحْ…. ! [2]

نستشف من خلال هذا المقطع الشعري أن النص القرآني يدخل في مجريات الأحداث التي يستعرضها الشاعر ليحقق حضوره على مستوى السرد، ودليلنا على ذلك قول الله عز وجل:﴿اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابات الجبِّ﴾[3] .

فالمجنون ونظرا لما شاهده من استباحة عرض المرأة العربية وضياع الحقوق، ولعدم قدرته على التعبير لفقده ملكة الكلام، ولأن الصمت قد خيم ولم يعد في مقدور أحد النطق طلبا للأمان، جحظت عيناه ولم يقو على القول، ففضل أن يلقي بعقله – والمعنى له بعدان إما أنه عاقل ورمى بعقله كي يصبح مجنونا ويغيب عن الوعي في هذا العالم المجنون الذي فُقِدت فيه كل القيم،   أو يرمي بنفسه في غيابات الجب كي يتخلص من هذا العالم الجبان- فكان ما فعله بمحض إرادته. لكن ما وقع ليوسف عليه السلام، يعد مؤامرة من قبل أقرب الناس إليه وهم إخوته؛ فقد أرغم ليُرمى في الجب ليتم التخلص منه؛ لأنه كان مصدر إزعاج لهم، يحجب عنهم وجه أبيهم. وتبدو المفارقة كبيرة بين الفعل الإرادي والفعل اللاإرادي المعتمد في الوصفين في معرض سرد الأحداث، فالشاعر في إخباره عن فعل المجنون يحاول أن يترجم الواقع المرير التي عرفه العالم العربي في وقتنا الحاضر، وغايته من ذلك الرغبة في عودة الشهامة والرجولة والنخوة والعزة والكرامة والغيرة إلى الوطن العربي، الذي أضحى لعبة في يد الأغراب يتحكمون في مصير الشعب العربي ولا أحد يحرك ساكنا. ويلاحظ أن الشاعر في اقتباسه لهذا الجزء من الآية الكريمة أراد أن يعطي لخطابه الشعري مصداقية ومجالاً لتوظيف “التورية” في النص. وبذلك يبتعد النص الديني عن النص الشعري من حيث الدلالة ليبقى في الذاكرة.

تشكل هذه العملية بُعداً ثقافياً في مخزون الشاعر “علي المتقي“، فقد أقام دلالته على الربط بين ما يريد قوله دون أن يصرح به وبين دلالة النصوص القرآنية الغائبة، والتي لم يصرح إلا بجملة من السورة في مواضع متناثرة من الديوان، حيث يضمّن كل رسالة يبعث بها إلى أحد أعلام الفكر من سبعة رجال أو الشعراء جملة من آية قرآنية، ومن نماذج ذلك ما ورد في “رسالة من جمجمة” قال الشاعر “صبر جميل[4]، وقد كررها ثلاث مرات مما يعكس الهم الذي يقض مضجعه ويؤرقه، وهو هَمٌّ يوازي هَمَّ “يعقوب” عليه السلام عندما بُلغ بفقدان ابنه “يوسف” عليه السلام فواسى نفسه بالصبر حيث قال:﴿فصبر جميل﴾[5]، فكما اتخذ “يعقوب” الصبر شعارا، كذلك فعل الشاعر “علي المتقي“، ومع ذلك فالأسى لازال ينخر دواخله من التحسر على أوضاع الوطن العربي، معبرا عن ذلك من خلال الخلفية المعرفية التي يكتنزها من النص الغائب لكن بصياغة أسلوبية مفارقة عما هو وارد في النص الأصلي، قال الشاعر:

                    فيوسفُ لن ينجوَ مرتين !!!

                    لم تسجد الشمس له مرتين…

                   كل القوافل

                   ولَّتْ وجهها نحو قبلةٍ

                                  ترضاها

                   كل القوافل

                  لم تعد مياه الجُبِّ

                               مسعاها

                 وامرأة العزيز

                 لها ألف معشوق سواه

                          يهواها.

                 فيوسف مات… !!!

                ماتت الضحكاتُ الحُبلى

                         بمصيفٍ آت

                والصبر لمَّا يزلْ

               من نبضات قلوبكم يقتات[6].

وفي رسالته إلى “أبي فراس الحمداني” وإلى “سندباد البحري” لم يتوان شاعرنا عن النهل من النص القرآني وبالضبط من صورة “يوسف” عليه السلام، حيث قال الشاعر:

أسبع عجاف تزور البلاد[7]

                     سنبلاتك سبع خضرٌ

                     وسنبلاتي يابسات.[8]

                     قلتم: هي سبع شداد

                            وننعم باليسر[9]

وهو مستوحى من قوله تعالى:﴿يوسفُ أيها الصِّدِّيقُ أفتنا في سبعِ بقراتٍ سمانٍ ياكلُهُنَّ سبعٌ عجافٌ وسبعِ سنبلاتٍ خضرٍ وأُخَرَ يابساتٍ﴾[10]، وقوله عز وجل:﴿ثم ياتي من بعد ذلك سبع شداد﴾[11]. والسبع العجاف الشداد صيرها الشاعر عشرا تقتات من العمر، متحليا في ذلك دائما بالصبر، لكنه بات باكيا حتى مطلع الفجر؛ لأنه ليس عصي الدمع، ومن لُقِّن حكمة الصمت والصبر فكيف يكون عصي الدمع؟[12]، وهذا يصور أن شاعرنا رهيف الحس ذو قلب حنون، وهو في ذلك يخالف “أبا فراس الحمداني” صاحب الدمع العصي.

لا شك أن هذا التعالق النصي يحمل المتلقي على استكناه المخزون الثقافي للذاكرة والعودة إلى النصوص في مرجعيتها الدينية، ليكشف الأبعاد الدلالية التي أراد الشاعر التعبير عنها.

لم يجتر النص الشعري إذاً النص الديني، ولم يكرر إنتاجه أو سرده، وكذلك لم يمتص الدلالة النصية القرآنية ليعيد إنتاجها بلغته، وإنما أقام معها حواراً على المستويين: الدلالي والفني؛ الأول من خلال نقل النص إلى إطار الوصف في السياق الدلالي للقصيدة، والثاني من خلال تحفيز الذاكرة الثقافية للمتلقي.

يتضح أن دخول النص القرآني إلى سرد الأحداث يُكمّل الخطاب الديني ويعزز مصداقية الخطاب السردي في الخطاب الشعري، والشاعر بذلك لا يستحضر النص الديني بوصفه مرجعية ذات أبعاد دلالية وفنية، وإنما بوصفه جزءاً من البنية الدلالية المباشرة للقصيدة، أو باعتباره جزءا من السرد، مما يعكس العلاقة بين النصين: الشعري والقرآني، وهذا يجعل التناص يرقى إلى مستوى الخلق الشعري، باعتباره فاعلية شعرية فنية قادرة على إعادة تشكيل النص الآخر عبر قانون الحوار. كما شكل الاقتباس من أقوال النبي عليه السلام مرجعاً ثقافياً أساسياً، تداخل مع النصوص الشعرية في علاقة تناصية خلاقة في بعض المواقع، ومن ذلك الصور التي يبينها البيت الشعري الآتي:

منْ دخل دار سفيانِ[13]

في البيت إشارة إلى قول الرسولﷺ يوم فتح مكة [14] حيث أظهر النبي محمدﷺ الرحمة لكل من لم يرفع السيف بوجه المسلمين؛ لأن دين الاسلام هو دين لهداية الناس وليس لقتلهم. لكن الشاعر في اقتباسه أراد الإجهار بما آلت إليه أوضاع المجتمع العربي من تدهور واستكانة؛ حيث فضلوا اللجوء إلى العدو الخائن والاحتماء به لينعموا بالأمان ويتمتعوا بالراحة والاطمئنان؛ لكن في حقيقة الأمر هم سلَّمُوا أنفسهم واستسلموا، ووضعوا رقابهم بين كفي الطغاة، فرضُوا بالذل وتبوؤا مقعدهم بين النار والعار، وأضحوا في المؤخرة يقتاتون على فتات موائد الطغاة الجبابرة، الذين كانوا لا يقوون على رفع رؤوسهم حتى أمام الرضع والصبيان. فشكلت تلك الصورة مفارقة ضدية بين حالنا أمس ووضعنا اليوم، ليردف كلامه بكلمة نسينا، وأقول: بل نحاول أن نجاري أنفسنا وأن نتناسا ماضينا راضين بما آلت إليه أوضاعنا اليوم. ويجسد ذلك قول الشاعر:

منْ دخل دار سفيانِ

     أو قصر هشامِ

منْ كان من العاكفينا.

بين النار … والعار مقعدنا،

في ذنَب العالم نادينا.

نقتاتُ من جيفِ البقر المجنون

       فأمسينا مجانينا.

نسينا أنا سادةٌ في أرضنا،

وأن الجبابرَ للرُّضَّعِ منا

            كانوا ساجدينا

                                                        نسينا[15].

لقد كانت العلاقة التناصية حاضرة من حيث قدرتُها على خلق بؤرة إبداعية في الشعر؛ وقد نجح الشاعر في تحقيق الجمالية الأسلوبية. وعليه فإن الحديث عن التناص داخل قصيدة إلى “عمرو بن كلثوم” منح الخطاب الشعري مشروعيته فنياً، في ضوء الوعي الاجتماعي الذي أنتجها، باعتباره فعلا دفاعيا عن الذاتين: الفردية والجماعية ضد النكوص الوجودي، وفي صورة شاملة أراد الشاعر، من خلالها، التعبير عن واقعين: حاضر مأزوم وماض مشرق ساعيا الخروج إلى مستقبل آمن.

2- التعالق النصي في الخطاب الشعري

يمثل الخطاب الشعري بشكل عام المرجع الثقافي الرئيس – بعد الخطاب الديني- الذي يشكل قصيدة الشاعر، وقد تتعدد أشكال العلاقة التناصية وفقاً لطبيعة النص وموقعه في إطار التيار الشعري، أما إذا تركنا القصيدة، بوصفها صورة شاملة، تدخل في علاقة تناصية مع نص آخر، ووقفنا عند الصور والمعاني الجزئية والصيغ المحددة، فإننا سنكون أمام تناص يخرج على إطار مفاهيم التأثير والتقليد والنسخ والتجاوز والامتصاص والاجترار والحوار، إلى ملامسة بُنى ثابتة في الشعر العربي بعامة، ترتبط بموروث شعري حقق في اللاوعي الجماعي سمة تميزه من خلال الصيغ الجاهزة التي تعدّ جزءاً من المخزون الشعري.

وفق هذا التصور يمكن قراءة التناص مع الخطاب الشعري، من خلال محورين: الأول محور التقاطع المباشر للنص مع النصوص الأخرى، والثاني محور التقاطع غير المباشر، وسنركز على المحور الأول، ويتجلى ذلك في مطلع قصيدة رسالة إلى “عمرو بن كلثوم“.

                                     ما عادتِ الكأسُ

                                               مَجراها اليمينا.

فيا عمرو لا تُخبرني

          الخبر اليقينا.

ابن هند يملك السيف

          يملكُ السكينا،

                                      وأنت أنت… لا تملك حتى

                                                   اللسانَ المبينا.[16]

والملاحظ أن هذه الأبيات تتقاطع وقصيدة “عمرو بن كلثوم” والتي مطلعها

صَبَنْتِ الكأس عنـا أمَّ عمروٍ    *****    وكان الكأسُ مجراها اليمينـا

  أبــا هندٍ فلا تعـجل عليـــــنا     *****    وأنـظِرنا نُخبرْك اليقينــــــــا

          إذا بلغ الفطامَ لــــنا صـــبيٌّ     *****    تَخِـُّر لــه الجبابرُ ساجدينـــا[17]

لم يعمد الشاعر “علي المتقي” إلى استنساخ أبيات من معلقة “عمرو بن كلثوم” كما هي واردة، إنما عمد إلى اقتباس بعض الصيغ التركيبية والألفاظ ووضعها في قالب مخالف لما هو وارد في المعلقة كي يعبر عن الموضوعات التي يسعى الإخبار عنها في تيمة الديوان، والمتمثلة في الأنفة والعزة والإباء والنخوة التي كان يتحلى بها الإنسان العربي، والتي صارت مفقودة في أيامنا هذه. والسطر الأول يجسد القصة التي رويت عن “المهلهل بن ربيعة” و”كلثوم بن عتاب أبو عمرو بن كلثوم” حين اجتمعوا في بيت “كلثوم” على شراب، و”عمرو بن كلثوم” حينها غلام، وأمه “ليلى” تسقيهم فبدأت بأبيها “المهلهل” ثم سقت زوجها “كلثوم” ثم ردت الكأس على أبيها وابنها “عمرو” عن يمينها، فغضب “عمرو” وقال:

صَبَنْتِ الكأس عنا أمَّ عمروٍ   *****    وكان الكأسُ مجراها اليمينـا

أي أجْريت سقي الشراب على اليسار والأَولى على اليمين على عادة العرب آنئذ، وفي هذا استهانة بالشاعر “عمرو بن كلثوم“. أما البيت الثاني، فيخاطب فيه الشاعر الملك “عمرو بن المنذر” المعروف بـ”عمرو بن هند“، مطالبا إياه بالتمهل والتريث حتى يأتيه الخبر اليقين وهو بلاء وشجاعة قبيلة الشاعر (تغلب). وإذا كان “عمرو بن كلثوم” يطلب من “ابن هند” التريث حتى يأتيه بالخبر اليقين؛ فإن شاعرنا اعتمد المفارقة الضدية باعتماد أداة النفي ( لا )، بحيث لم يعد يرغب في الاستماع إلى الآخر بقدر ما يرغب في الشكوى وإسماع الطرف الآخر، والتعبير عن هموم الوطن العربي وما يعانيه من ذل وهوان.

قال شاعرنا:

                        فيا عمرو لا تُخبرني

                                الخبر اليقينا.

**************

فيا عمرو دعني أُخبركَ

                 الخبر اليقينا:

     هذا زمن الخيانة…

    هذا زمن النذالة…

         ليلى تُباعُ في

                      سوق النخاسة

             ونحن نُوَسِّدُ يُمنانا

   وندعو رب العالمينا،

         فلا يقول الدهرُ آمينا.

وا ذُلاّهْ … !

    صرخةٌ تناقلتها الرياحْ

                                     ليلى العامريةُ جاريةُ

                                            عند السواحْ

                                            حافيةَ القدمينِ…

                                           عاريةَ النهدينِ…

                                           أعراضُها تُستباحْ… ! [18]

والشاعر في هذه الحال يجسد صورة الإنسان العربي الذي صار مهزوما، لا يمتلك الآليات الدفاعية المادية ولا المعنوية، نتيجة الجبن والخوف الذي سكن ضلوعه ونفسيته واستكان للذل والمهانة، بل أضحى هذا الإنسان العربي لا يمتلك اللغة السليمة – التي كان ينطقها أجدادنا عن طريق السليقة- والتعبير عما تجود به قرائحه، أو أن يرفع صوته للدفاع عن نفسه وكرامته، التي صارت تداس ولا يحرك ساكنا، وبات مستسلما صامتا رغبة في الحصول على الأمان والسلام، مضحيا بكيانه وعزة نفسه، التي كان العربي قديما لا يملك إلا إياها، وهو ما ورد في قول الشاعر “علي المتقي“:

                      وأنت أنت … لا تملك حتى

                                  اللسان المبينا.

                      رأيت ما رأيت فما نطقت!

                            عسكر الصمت في الحناجر!

                            أم عسكر الجبن في الدواخل!

                            فما نطقت…

                               طلبا للأمان،[19]

إن البحث عن علاقة التناص بين القصيدتين، يدفعنا كي نشير أولاً إلى اختلاف الشروط التاريخية التي أَنْتَجَت كلاًّ من القصيدتين؛ فالأولى أُنْتِجت في بنية قبلية متماسكة، إذ يحقق الفرد من خلالها توازنه وانسجامه، أما خطاب شاعرنا “علي المتقي” فأُنْتِجَ في ظل ظروف تمزَّق فيه المجتمع العربي الإسلامي، وتشرذمت البُنَى الاجتماعية الحامية للفرد، كالأسرة والحي والدولة، بالإضافة إلى التهديد الخارجي وعوامل الفساد الداخلي دينياً ودنيوياً.

3- التعالق النصي على مستوى الرمز والأسطورة

يحفل ديوان “بريد العالم السفلي” بالصور الرمزية التي تشكلت في معطيات حسية، تومئ إلى دلالات وإيحاءات معنوية، والرمز “يستلزم مستويين: مستوى الصورة الحسية التي تؤخذ قالباً للرمز، ومستوى الحالات المعنوية المرموز إليها، وحين يندمج المستويان في عملية الإبداع نحصل على الرمز”[20].

لقد استدعى الشاعر “علي المتقي” رموزاً قديمة – مثل: “العالم السفلي” “السندباد” و”مهيار الدمشقي” و”أوديس” و”سيزيف“-، “فالتجربة الشعورية بما لها من خصوصية في كل عمل شعري هي التي تستدعي الرمز القديم، لكي تجد فيه التفريغ الكلي لما تحمل من عاطفة أو فكرة شعورية، وهي التي تضفي على اللفظ طابعاً رمزياً”[21]،  كما أن القراءة المتعمقة الساعية إلى سبر أغوار  النصوص هي التي تحدد دلالة الرموز ومستوى إيحاءاتها في الخطاب الشعري، وفي المخزون المعرفي للمبدع والملتقي على السواء، وهذا ما يجعلنا نبحث عن المعنى الخفي ومستوى الإيحاء، فاللغة تبدأ حين تنتهي القصيدة، باعتبارها المشعل المضيء الذي يمنح للوعي القدرة على اكتشاف عوالم لا نهاية لها، لذلك فهي السراج الوهاج للوجود المعتم، واندفاع صوب الجوهر[22].

إن للرمز خصوصيته في بناء وتشكيل الخطاب الشعري، فهو يعبر ويصف بشكل غير مباشر عن نواحٍ نفسية، لا تقوى على أدائها اللغة في دلالتها الوضعية، كما أن الرمز هو صلة بين الذات والأشياء، بحيث تتولد الأحاسيس من خلال الإثارة النفسية المنبثقة من المخزون الثقافي للشاعر، ومن تجربته في الحياة[23].

وسنبدأ مقاربتنا في هذا المحور الثالث بعنوان الديوان “بريد العالم السفلي” حيث استوحى الشاعر “علي المتقي” جزءا من العنوان الذي منحه الشاعر “عبد الوهاب البياتي” لقصيدته “هبوط أورفيوس إلى العالم السفلي[24]، ويشكل “العالم السفلي” الرمز إلى عالم الأموات، فـ”البياتي” اعتمد أسطورة “أورفيوس“- وهو عازف الناي الذي استطاع بفنه وغنائه أن يحصل على إذن من كبير الآلهة “زيوس” لإنقاذ زوجته من العالم السفلي بشرط أن يمشي أولا وتسير وراءه دون أن يكون له الحق في النظر خلفه، غير أن “أورفيوس” خالف هذا الشرط عندما التفت ليتأكد من وجود زوجته خلفه، فاختفت على الفور-، و”البياتي” أراد أن يعبر من خلالها عن نظرته للإنسان من حيث كينونتُه الوجودية والحضارية، وموازاة مع ذلك فهو يعبر عن نظرته إلى الواقع العربي المهزوم الذي صار يعاني الضعف المتواصل؛ مما حدى به إلى الوقوف عند سؤال صعب: هل يمكن الحديث عن انبعاث جديد؟. أما الشاعر “علي المتقي” فقد اعتمد الرسالة آلية للتبليغ عن همومه وبعث بها إلى عالم الأرواح يسائل من كانوا في زمن مضى أصحاب أنفة وعزة عن إمكانية عودة الإنسان العربي إلى أمجاده وسيادته من أمثال “امرئ القيس” و”عمرو بن كلثوم“، و”المتنبي” و”أبي فراس الحمداني” و”مهيار الدمشقي“، وفي فترة زمنية تتراوح بين القرنين الخامس والثامن الهجريين راسل “سبعة رجال” فكل شخصية منهم عاصرت حضارة من حضارة الدول التي حكمت المغرب فكانت مثالا للقوة والأنفة والعزة، بلغ صيتها أرجاء المعمور وأخضعت لنفوذها دولا عديدة، وحافظت على كرامة الإنسان العربي، ودافعت عن عزة الإسلام. وفي العصر الحديث راسل أستاذه “المجاطي” الذي كان متأثرا به حين كان يتابع دراسته العليا بمدرجات جامعة محمد الخامس كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط؛ لأن “المجاطي” هو أيضا كان يؤرقه الهم نفسُه، وقد عبر عن ذلك في ديوانه “الفروسية[25].

لم يتوقف الشاعر “علي المتقي” عند هذا الحد، بل اعتمد رمزا أسطوريا آخر، رمز يدل على الرحلة والمغامرة وركوب المخاطر من خلال ركوب أمواج البحر، إنه “السندباد“، وهذا الرمز يتقاطعه و”بدر شاكر السياب” في تناوله، ليعبر كل واحد منهما عن حال من أحوال هذا العالم، “السياب” اعتمد “السندباد” ليعبر عن طول رحلته عبر الحياة وفي صراعه مع المرض، إلا أنه لن يعود للحياة كما يعود “السندباد” من رحلاته البحرية المحفوفة بالمخاطر. قال “بدر شاكر السياب“:

                                 رحل النهار

ها انطفأت ذبالته على أفق توهج دون نار

وجلستِ تنتظرين عودة سندبادَ من السَّفار

                                   والبحر يصرخ من ورائك بالعواصف والرعود.

                                   هو لن يعود،

                        أو ما علمت بأنه أَسَرَتْهُ ألهةَ البحار

  في قلعة سوداء في جزر من الدم والمحار.

                                    هو لن يعود،

                            رحل النهار[26]

فسندباد “السياب” المسافر يفقد كل آماله بالعودة الظافرة، وينطفئ الشعاع الذي ينير له رحلة الكشف والمغامرة بفعل المؤثرات الخارجية القاسية.

اعتمد الشاعر “علي المتقي” هذا الرمز ويبقى السؤال: لماذا اختار الشاعر السندباد رمزاً ؟. قد يكون للأمر علاقة بالبحر للتعبير عما يعانيه شباب هذه العصر من تهميش وعدم وجود فرص للعمل، فدفع بهم هذا الوضع إلى ركوب أمواج البحر والمغامرة بحياتهم كما يفعل السندباد، منطلقا في تعبيره ذلك من واقعة حقيقية لأحد أبناء “زاﯕورة” الذي أراد العبور إلى الضفة الأخرى شمال المغرب، رغبة في التخلص من الذل والاستكانة، فركب زورق الموت دون أن يلتفت إلى أمه، التي حاولت أن تصده عن خوض المغامرة والرمي بحياته في غيابات المحيط؛ لتبتلعه أسماكه الجائعة. قال الشاعر:

– يحكي

                     عن طائر رُخّ بحجم الميراج

                     ينقلُ سندباد من جزيرة الرّمل

                     إلى جزيرة القطر.

                     وفي غفلة من دائرة الضوء

                     تخلصتُ من ريح الأهل والصحب

                    من نداء الأم للابْن

                    عدْ ليس لي سواكْ

                    ستبيض العينان من دمع الفراقْ

                    فعانقت البحر

                             بين بطن الحوت والقبر[27]

فاستخدام “السّيّاب” لأسطورة السندباد في قصيدة “رحل النهار“، يعتبر تجسيداً واعياً لتجربته الطويلة مع المرض ورحلة الإحباط التي رافقته طيلة سنواته الأخيرة. أما سندباد “المتقي” فيشخص حالة اليأس التي صار يعانيها الشباب الطموح إلى العمل والجد، ولم تفتح أمامهم الآفاق ولم تمنح لهم فرص العمل، فاختاروا الارتماء في أحضان البحر وخوض المغامرة إما بالربح أو الخسارة، فعزم السندباد على الرحيل من بلد إلى بلد، ولاقى أهوالاً كثيرة، وبالرغم من هذه المصاعب التي تصل حدّ الموت، يبقى هناك قنديل سريّ أسطوري يشعل اللحظة ويضيء الفتيلة، وعلى ضوء هذه الفتيلة كانت تلوح طريق الوصول فالعودة، لكن “تجري الرياح بما لا يشتهي الملاح” فحلت الفاجعة، وكانت نهاية سندباد “السياب” وسندباد “المتقي” واحدة وإن اختلفت الأسباب.

لم يكن هكذا السندباد القديم، بل عاد كعادته مكللا بالظفر والأموال والجواهر، بالرغم من مدّ الشدائد والأهوال والبحار، لنجد سندباد “علي المتقي” ينادي سندباد القديم مستفسرا إياه هل فعلا ركب البحر؟ فقال:

                        فناديت سندباد

                        يا سندباد

                        أ ركبت الموج حقا

                        وقطعت البحارْ

                        أ هناك وراء البحارْ

                       جزائرُ الأمطارْ

                       ما رأيت سوى السراب.

                       سنبلاتك سبع خضرٌ

                       وسنبلاتي يابسات.

                       كيف يكون لك البحر كنزا

                       ويكون لي مواتْ

                       يا سندباد[28]

يظهر التعالق النصي وفق آلية تمنح هذا التناص دلالة مختلفة تقيم نوعا من التفاعل الدلالي بين النص الظاهر وبين النص الغائب الذي تستدعيه. إن هذا الامتصاص يجعل استقبال النص، وتلقيه من قبل القارئ، ينفتح على دلالات كثيرة، مما يسهم في إثرائه دلاليا، ويزيد من كثافة حضوره، في وجدانه من خلال المعنى الرمزي، ولعل أهمية هذا التعالق النصي، لا تتمثل في المعاني الدلالية التي يولّدها هذا الاستدعاء، بل في الوظيفة الجمالية، التي يقوم بإنجازها، على مستوى تشكيل بنية النص وتوليد طاقته الدلالية والإيحائية، من خلال الجمع بين تجربة الماضي والواقع المعاصر الذي نعيشه.

لقد شكل الخطاب الشعري المدروس سلسلة من التعالقات مع نصوص أخرى، فرغم تباعد المسافات الزمنية بين النصوص المتعالقة إلا أن هناك تشابكاً وتداخلا في الدلالة، وهذا يستلزم الغوص في عمق البنية الإحالية التي تقف خلف النص؛ “لأنها تغترف معرفيتها من روافد متنوعة، فهي بهذا المنظور خلاصة لقراءة الحاضر من خلال الماضي، ونخل للموروث من أجل توظيفه في عملية بناء الغد المأمول، عن طريق إبداع علائق جديدة “[29].

نخلص إلى أن قصائد الديوان تحمل رؤية الشاعر للعالم، من خلال إعادة صياغته لتجاوز أزمته؛ لقد شكلت رحلة في الزمان والمكان والوعي باتجاه منبع الازدهار والخير والطمأنينة، وكانت قراراً من واقع لا أمن فيه، مليء بالإحباط والعجز والاغتراب. والملاحظ أن أغلب النصوص الغائبة التي وظفها الشاعر “علي المتقي” “تختزن كل نماذج تعالق التراث الإنساني وتناصه فكراً وديناً وأدباً وتاريخاً وأساطير ورموزا”[30]، وأنها موظَّفة بدقة وببراعة كبيرتين، وأن الشاعر رامَ من توظيفها تحقيق مقاصد معينة. وهكذا، يتبدّى لنا أن اللمحات التراثية في ديوان “بريد العالم السفلي“، مسخَّرة لخدمة الدلالة العامة للنص.

 

لائحة المصادر والمراجع

القرآن الكريم برواية ورش عن نافع

أحمد المجاطي، ديوان الفروسية، منشورات المجلس القومي للثقافة العربية، الطبعة الأولى،1987م.

أدونيس، زمن الشعر، دار العودة، بيروت، 1978م.

بدر شاكر السياب، ديوان الأعمال الشعرية الكاملة“، دار العودة، بيروت، لبنان، 1971م.

تودروف، المبدأ الحواري، دراسة في فكر ميخائيل باختين، ترجمة فخري صالح، الطبعة الأولى، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1992 م.

الزوزني، شرح المعلقات، طبعة دار الجيل بيروت، لبنان، د ت.

الطبرسي أبو علي الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، دار العلوم/ دار المرتضى، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى،1427هـ / 2006م.

عبد الوهاب البياتي، ديوان-الكتابة على الطين، دار العودة، بيروت، 1972م.

عز الدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، الطبعة الخامسة، 1994م.

المتقي علي، ديوان “بريد العالم السفلي” المطبعة الوراقة الوطنية، مراكش، الداوديات، الطبعة الأولى، 2009م.

محمد السرغيني، محاضرات في السيميولوجيا، دار الثقافة، الدار البيضاء، 1987م.

محمد غنيمي هلال، الأدب المقارن، دار العودة، بيروت، د ت.

محمد فتوح أحمد، الرمز والرمزية في الشعر المعاصر، دار المعارف، مصر، الطبعة الأولى، 1977م.

محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري استراتيجية التناص“، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 1992م.

[1] تودروف، المبدأ الحواري، دراسة في فكر ميخائيل باختين، ص.:92.

 

[2]  المتقي علي، ديوان “بريد العالم السفلي” ص.: 12.

[3] سورة يوسف، الآية: 10.

[4] ديوان بريد العالم السفلي، ص.: 25.

[5] – سورة يوسف، الآية: 18.

[6]– ديوان بريد العالم السفلي، ص ص.: 27-28.

[7] م ن، ص.: 83.

[8]ديوان بريد العالم السفلي، ص.: 94.

[9]م ن، ص.: 55.

[10]سورة يوسف، الآية:46.

[11]سورة يوسف، الآية:48.

[12] ديوان بريد العالم السفلي، ص ص.:56-57.

[13] ديوان بريد العالم السفلي، ص.: 9.

[14] جاء حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء رسول الله ، فأسلما وبايعاه، فلما بايعاه بعثهما رسول الله بين يديه إلى قريش، يدعوانهم إلى الإسلام.  وقال: »من دخل دار أبي سفيان ـ وهو بأعلى مكة ـ فهو آمن، ومن دخل دار حكيم ـ وهو بأسفل مكة ـ فهو آمن، ومن أغلق بابه وكف يده فهو آمن» .

                                      ينظر: الطبرسي (548هـ)، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج.10 ، ص.: 362.

[15] ديوان بريد العالم السفلي، ص ص.: 9- 10 .

[16] ديوان بريد العالم السفلي، ص ص.: 9- 10.

[17] الزوزني، شرح المعلقات، ص.:166

[18] ديوان بريد العالم السفلي، ص.:12.

[19]ديوان بريد العالم السفلي، ص ص.: 10-11.

[20] محمد فتوح أحمد، الرمز والرمزية في الشعر المعاصر، ص.:40.

[21] عز الدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، ص.: 172.

[22] أدونيس، زمن الشعر، ص.:160.

[23] محمد غنيمي هلال، الأدب المقارن، ص.:397.

[24]عبد الوهاب البياتي، ديوان (الكتابة على الطين)، ج. 2، ص ص.: 428 – 431.

[25] أحمد المجاطي، ديوان الفروسية.

[26]بدر شاكر السياب، ديوان “الأعمال الشعرية الكاملة”، ص.: 128.

[27] ديوان بريد العالم السفلي، ص.:91-92.

[28] ديوان بريد العالم السفلي، ص.:94.

[29] محمد السرغيني، محاضرات في السيميولوجيا، ص103.

[30] محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري “استراتيجية التناص”، ص121.

 

مواضيع متعلقة

اترك رداً

Anti-spam: complete the taskWordPress CAPTCHA