د. لطيفة مطيع .. أدب الشفاء: مسار امرأة رائد

img

    أصدرت الشاعرة بهيجة كومي سنة 2012 ديوانا شعريا يحمل عنوان “سرطان الحبر” باللغة العربية، وقد سبق أن أصدرت كتابين باللغة الفرنسية “آلام من أجل الحياة” و “أخاف أن أشفى

    والديوان الشعري “سرطان الحبر” يرصد تجربة الشاعرة مع المرض الذي فاجأها في “أبريل عام 2002” مرض اللوكيميا الذي كان وقعه على آذان الأستاذة بهيجة كويمي مفاجأة قوية تخفي حقيقة مؤلمة.

   هي تجربة قاسية مؤلمة حملت معها كل معاني الخوف والحزن والألم

    لكن فجأة تحول الألم إلى كلمات، تحاول من خلالها الشاعرة الخلاص من عمق الجرح والصدمة التي استفاقت منها على وقع الأمل، كيف لا وقد تأكدت أن الحب يحيطها من كل جانب من الأهل والأصدقاء والأقارب…. 

    رفعت القلم الذي امتد إليه المرض سنين عديدة لتقول هيا لنستعيد العافية معا، وكان الديوان بعنوان “سرطان الحبر” وقالت “أصبح الحبر من دمي، حبر يتألم، يكتب ينتقد يهلوس مثلي تحت تأثير اللوكيميا” (من كلمة ظهر الغلاف)، فقد اعتمدت في قصائد الديوان لغة البوح والتصريح بالمعاناة، وهي لغة مؤثرة تجعل القارئ ينجذب إليها لتثير مشاعره الإنسانية أحيانا، ولتبعث فيه روح التحدي والأمل أحيانا أخرى.

    ومع متابعة عملية القراءة لقصائد الديوان المتنوعة التي تربو عن اتنتي عشرة قصيدة، يتضح أن التيمات المهيمنة في الديوان الشعري هي تيمة البوح، وتيمة التحدي، وتيمة الأمل.

   في قصيدة كلماتي وهي أولى قصائد الديوان نجد لغة البوح حاضرة بقوة، إذ تصرح الشاعرة بالمعاناة والصراع المرير مع المرض الذي يعتصر جسمها ويتحول إلى كلمات لتقول

       عفوا سادتي …. سيداتي 

     أشكو لكم ضعف كلماتي 

    تعجز عن مواساتي ….. عن مداواتي 

    كم هي قصيرة كلماتي  

    حين تطول انتظاراتي 

    حين يلزمني الصبح بالقيام

   رغم جراحاتي ………       (الديوان ص3)

فالكلمات قليلة غريبة عاجزة…..، لكنها تبوح بما يختلج النفس من ألم جسدي ونفسي.  

وحين تقارن الكلمات بالسيدة اللوكيميا تقول :

       كم هي مزمنة كلماتي 

     كالسيدة اللوكيميا 

    متجبرة …..مستبدة 

    متربعة عرش أقصوصاتي 

    تحكمني وتحكم انفعالاتي ……

    إن إصرار الشاعرة على التحدي والاختراق، أي اختراق مشاعر الحزن التي حملتها اللوكيميا وجعلتها تعاني وتتألم، محاولة تحويلها الى قوة تستطيع بها تجاوز كل المعاناة من خلال قصائد مؤثرة.

    فعملية الكتابة بالنسبة للشاعرة هي الملاذ الآمن من هجوم شرس لمرض مباغث يخترق الجسد والنفس والكيان. 

  والكاتبة مسكونة بهم الكلمة المعبرة الكلمة التي تولد من رحم المعاناة. ولهذا رسمت بكلماتها المؤثرة أولى خطوات العلاج.

تيمة التحدي : وجسدتها قصيدة “أقسم مولاتي

الشاعرة بهيجة كومي وهي تقاوم اختراق المرض لجسدها وتحطيمه لنفسيتها تعلن التحدي المقترن بالأمل فقد أعطت اللوكيميا اسما دبلوماسيا “مولاتي” لتصرح :

“أقسم مولاتي               

لن أتجرأ عليك 

لن أتجرأ عليك ثانية  

وأنت رفيقة دربي

…….

سأكف يدي وظلمي عنك 

سأكف عن تعنيفك

ألبسك دوما ثوب السجان 

وألبسني ثوب السجينة 

…….

لن تصبحي بعد الآن امرأة العزيز

ولن أكون يوسف الضحية…….

(ص 5 من الديوان)

فإعلان المبدعة التمرد والتحدي هو طريق ترسمه نحو شفاء نفسي، والتحدي هو الرهان الذي وضعته نصب عينيها للخلاص من معاناة لازمتها سنين عديدة.

إن محاولة التحرر من سجن المرض النفسي الذي أحاط بالسيدة بهيجة كومي إثر الصدمة التي تلقتها عند سماع إصابتها بالمرض، يؤكد إصرارها على الشفاء وأول خطوة هي خلق الانسجام مع الذات التي انشطرت إلى ذات تعاني، وذات تقاوم وتحاول تجاوز المعاناة.

ولخلق  الانسجام واستعادة التوازن النفسي بحثت عن كل الأسلحة الممكنة، وكان أهمها التحدي.

ففي محاورة اللوكيميا التي اقتحمت حياتها تقول  في قصيدة “أقسم مولاتي” :

   لن تكوني المختطفة حتما 

  ولن أبقى بعد الحين 

  الرهينة المنسية……

   لن أبكي ندما 

   لن أدعو قهرا 

  بفضلك – مولاتي –

  عرفت أن الله حق.

لقد خاضت بهيجة كومي المعركة بأسلحة متكاملة فأخذت من عملية الكتابة العلاج النفسي حيث تحولت المعاناة إلى كلمات تترجم ما يختلج النفس من قلق وتوتر وخوف.

وأخذت من التحدي قوة البحث عن الخلاص الممكن لقهر هذا المرض الذي قلب حياتها رأسا على عقب فاستمدت من إيمانها بالله قوة التحدي لكل الآلام، لأنها مؤمنة بالقضاء والقدر، وأن الموت قدر حتمي وميعاد مكتوب خطه الله تعالى.

لم يكن المرض سبب الموت دائما، لهذا ثارت على اليأس والحزن لتبحث عن بدائل جديدة لمقاومة المرض. وكان أهمها كتابة الشعر للتصريح بالمعاناة وبخلجات النفس وكأنها تمارس نوعا من التداعي الحر فهي رافضة الاستكانة للألم وباحثة عن الأمل عن طريق التحدي المقرون بالإيمان القوي بالله وبأن الشفاء سيأتي لا محالة.

تيمة الأمل : الأمل هو ما رسمت الشاعرة طريقه في ديوانها سرطان الحبر لأنها تؤمن بأنه هو مفتاح الشفاء، ولهذا أكدت في قصيدتها “باقة نسيان” ص 19 

    ها أنا ذي جئتك ثانية

   متخمة بالحلم 

   بالأمل

  بالايمان 

   أهديهك باقة نسيان 

   قطفتها عنوة 

  من ضفاف الأنين 

  من عتبة الحرمان 

  كي أذكرك 

  أن من صلب الدمع يولد الشجعان 

  والآهات تكون أحيانا 

  منتهى الغفران……

فالتيمات المهيمنة في قصائدها تؤكد التجربة المريرة التي عاشتها الأستاذة بهيجة كويمي والتي حولتها إلى إنسانة أخرى أكثر عطاء وأكثر إنسانية وأكثر أملا، وتجسد ذلك في تأسيسها لجمعية  “أمــل” لمساندة مرضى اللوكيميا، وهي لا تبخل دائما على كل من قصدها للمساعدة.

وسخاؤها ماثل في اقتسامها تجربة الألم التي تحول إلى أمل مع كل مرضى اللوكيميا وكل قراء ديوانها المعبر “سرطان الحبر”، فتظل تجربتها نبراسا يضيء طريق الانسانية، وهي تجربة رائدة وفريدة لأن الشجاعة التي تمتلكها السيدة بهيجة كومي جعلتها ترسم بدائل ممكنة لتجاوز المحن التي تعترض حياة كل إنسان..

مواضيع متعلقة

اترك رداً

Anti-spam: complete the taskWordPress CAPTCHA