د / عبد الاله كليل .. الأنثى الرمز في شعر محمد بوعابد من خلال ديوانه “ماء ريم”

img

يعد الرمز تقنية عالية في الأداء الشعري؛ لأنه “يمنح القصيدة أعماقا تستثير الفكر وتفسح آماد الخيال”[1]، ولما يتضمنه من دلالة على ما وراء المعنى الوضعي دون تجاوز هذا المعنى فهو المقصود في حدِّ ذاته[2]، ولذا فالشاعر يميل بطبعه إلى التلميح دون التصريح، مما يضفي على شعره الشاعرية من خلال الخروج عن المألوف، ويولد بُعدا خياليا يسبح في فضاءات غير محدودة. فـ”الرمز الشعري يتضمن التجربة الشعرية التي تستدعيه -الرمز-  لكي تجد فيه التفريغ الكلي لما تحمل من عاطفة أو فكرة شعورية”[3]. واستخدام الرمز لا يتم الاعتماد عليه بمقدار ما يعتمد على السياق؛ لأن استخدامه في السياق الشعري يعد الأداة التي تنقل المشاعر المصاحبة للموقف وتحديد أبعاده النفسية[4]. ونظرا لأهمية الرمز وما يتضمنه من دلالات ومعان خفية، فإننا نجد أن الشاعر قد يعبر عن المدينة من خلال الأنثى الرمز؛ لأنهما (الأنثى / المدينة) عنصران يتقاطعان في مجموعة من الخصائص؛ إذ يَعدُّهما بمثابة الحضن الدافئ والأم الحنون، والملاذ الآمن الذي يلجأ إليه الشاعر، ليشعر بدفء الكلمة والتعبير الصادق وجمالية الخطاب الشعري، ليبلغ بـ”المتلقي إلى أعماق المعنى الذي كثيرا ما يصطدم به بشكل واضح وجلي في نهاية القصيدة”[5]. وتعدُّ الأنثى الرمز محورا لها دورها الفعال في شعر “محمد بوعابد“؛ لأنها شغلت حيزا كبيرا في ديوانه “ماء ريم” وأولاها عناية فائقة لما لها من دلالات؛ وهذا يعكس الدور الذي تؤديه الأنثى في مخيلة الشاعر وما تمنحه من إبداع راقٍ وإلهام تمكّنه من المسير من خلال اللاوعي في متاهات وفضاءات تتباين بين النورانية والمعتمة، مشيرا إليها بكلمات وعبارات شاعرية خلابة تثير انتباه المتلقي، وتجذب ذهنه وتشده إليها. ولذا جعل الشاعر من الأنثى رمزا للمدينة الجميلة العتيدة ذات المواصفات الأخاذة من حيث مَناخُها وتضاريسُها وأبنيتُها وأزقتُها وبساتينُها الخضراء وماؤُها الزلال العذب الدائم الجريان الذي يعزف سنفونية بخريره فينعش الأسماع ويحقق خاصية الإمتاع، موشحا إياها بكل ما يضفي عليها ديمومة الحياة ويوحي ببهائها، حتى إنه من خلال هذه الصفات يرمز لها بالعروس في ثوبها القشب مما يجعل منها الأنثى المثال.

نظرا لما لمدينة مراكش من أهمية في حياة الشاعر “محمد بوعابد” وما يُكِنُّ لها من عميق الحب الحقيقي؛ فإنها لا تفارق خياله، لذا نجده يرمز لها بضمير الغيبة في صيغة المؤنث. فاعتماد الشاعر (الأنثى/المدينة) يتجلى في كونهما يجتمعان في صفات وخصائص لهما أهميتهما البالغة؛ لأنهما تنبثان كلَّ خير وعطاء؛ وكلا منهما تعطي أجيالا تتسم بالمثالية والرجولة والإباء، ومن ثمة فالأنثى الرمز في شعر “بوعابد” هي رمز لكل ما هو جليل ومقدس، ورمز للخصوبة المتجددة لتتصل بذاته المبدعة كي يمنحها أفضل ما تستطيع من الإجلال والإكبار؛ لأن طيفها الأثيري كان ولا يزال ماثلا أمام عينيه ومقيما في وجدانه، ولولاها لما أصبح شاعرا ولا تحفّزت كلماته وإبداعاته. ونحن عندما نبحث في ثنايا قصائد ديوانه وانطلاقا من عتبته “ماء ريم” نراه يجسد ذلك على هيأة الأنثى، باعتبارها الحياة والحنين والشوق، وهذا ما نلحظه في قصيدته “مراكش” حيث يقول:

مراكش

تهمس مسامي.

وفي أرخبيلات أعصابي،

وبين تيارات الأمواج بشراييني،

تقوم واحدة للعشق الأثيل.[6]

مراكش

تهمس مسامي.

ومن دمائي ترن الألوان،

تمازحها العطور من جسمي في فوران…

وهذا أنا الدوي الدنف الهيمان[7]

أهوى هواها مراما…

بينا سعاد التي أشعلت منا الفؤاد

ظعنا وسعاد التي أورثتنا العناد[8]

تكشف هذه الأبيات بصورة جلية اكتساب مدينة مراكش صفات الأنثى من خلال تشخيصه لها، حيث نفث فيها الروح، فانبرت فيها الحياة واستمرارية الحركة والتحول، انطلاقا من رؤية فنية، ارتقى فيها البعد الجمالي حتى جعل منها عروسا مزينة بصنوف أثواب أعراس الفصول، والتي أضفت عليها حلة بهية أخاذة، موظفا في ذلك ضمير الغيبة الذي نلمسه على طول السياق النصي من خلال عملية التبادل بين رمزية (الأنثى/المدينة)، وصارت مدينة مراكش ذاتا ثانية قصد الشاعر ذلك أم لم يقصد من خلال إضفاء صفة الأنثى عليها وإلباسها لباسها. فالبنية السطحية تكشف عن وصف واضح وظاهر للمتلقي، بأنه وصف لأنثى حقيقية من خلال أنسنتها، قد تكون الأنثى الأم الحاضنة الحنونة والعطوفة، لكن البنية العميقة للخطاب الشعري تعكس تجليات المدينة من خلال العديد من الإشارات مثل المنار الكتبي وساحة جامع الفناء، وهذه “الرموز والدلالات التي يبرزها الخطاب الشعري تسعى إلى إعادة بناء النص وتركيبه وترتيبه باعتماد الإشارات التاريخية والتراثية، وهذا يولد مشاركة المتلقي بشكل فاعل وإيجابي، للاستمتاع بقراءة الخطاب الشعري وتحليله، مما يدل على أن مدينة مراكش راسخة في مخيلته؛ وهذا ما دفعه إلى أن يلبسها حلّة الأنثى الجميلة البهية لتعلقه بها وما رسمته في دواخله من جمال وألق في مكنوناته، وفي ذلك يقول:

تأتيني المدينة

برجالاتها

بنساءاتها

بالأطفال

تعجن الزمن

بشآبيب فكرها

وبالنيرات من غيث أناملها

حين تنهمك خلائقها

في الهطول قطرات

تكتسي أخلاق الأمطار

فتطلع ثغرا لأطفال صغار

يملئون الساحات

يشعلونها

من الجامع

حتى المنار[9]

ففي معظم قصائد الديوان تتجلى مدينة مراكش رمزا للأنثى، تتبادلان الأدوار لتتجلى رمزا لمراكش أيضا وذلك من خلال تشخيصه وأنسنته للمدينة الحمراء، فالجمال الذي تختص به عروس الجنوب وما تتوافر عليه من أماكن ومآثر وبساتين وعيون فضلا عن جبالها الشامخة التي تضع على رأسها قبعة بيضاء تزيدها جمالا فوق جمال، نرى الشاعر يمزج صفات الأولى (الأنثى) في الثانية(مراكش)، ولولا الإشارات التي يوظفها الشاعر في ثنايا خطابه الشعري والتي تشكل معالم لهذه المدينة، لن يستطيع القارئ لهذا الخطاب قراءة سطحية أن يفك رموزه – مثلا (ابن ريمة)وهو ما يتلفظ به بالعامية (بريمة) ولربما من هذا الاسم عنون ديوانه بماء ريم، وريم مستوحاة من كلمة ريمة- خاصة وأن مبدع الخطاب الشعري يقوم من خلال صياغات بديعة بمخاطبة المدينة الحمراء مراكش في شخص الأنثى نظرا لروعتها وجمالها الأخاذ، فهو لم يتغاض عن مفاتنها الرائعة لشدة بهائها. ويتجلى ذلك من خلال اعتماد الضمائر الدالة على “الأنا” التي تبدو بارزة في الخطاب والمتمثلة في ( تهمس مسامي- تمازحها العطور من جسمي- وهذا أنا – أنبسط – أقري وراءها – وأنا ال”مراكش”- أنداح – أنزاح –أرقص وأراقص – تأتيني المدينة…)، من هنا تبرز ثنائية الحضور والغياب (الأنا والهو) التي يمكن تأويلها إلى حقيقة انصهار واندماج المدينة بالأنثى، مما يعكس جمالية في صياغة الخطاب من خلال مجموعة من الدلالات المتضمنة في ثنايا النص الشعري، وهذا يبين أن “في داخله لغة داخل لغة، أو لغة استنباطية، ترتفع فيها النبرة الشعرية الغنية بالعلاقات الإيحائية التي يتعذر على المتلقي التقاطها”[10]ما لم يكن قارئا واعيا لبلوغ مقاصد منتج الخطاب الشعري.

الشاعر محمد بوعابد

نخلص إلى أن الشاعر “محمد بوعابد قد أضفى على المدينة الحمراء صفات الأنثى وشخصها واستوحى كل عناصرها، فهي تعطي فاعلية بشكل أكثر بتواجدها مع المدينة، وبما أن الأنثى تزرع الحياة والهدوء وتبعثهما في قلب الشاعر، فقد استعار لها كل هذه السمات التي تضفي عليها الروعة والجمال، وكل ما هو بديع، ومن ثمة يمكن أن نَعُدَّ ثنائية (الأنثى/المدينة) تيمات لا يمكن التمييز بينهما عند الشاعر “بوعابد“؛ لأنها تيمات متداخلة، لا يتأتى لنا الفصل بينهما إلا من خلال سبر أغوار الخطاب؛ لأن الأنثى رمز لمراكش، ويرى الشاعر المدينة من خلال الأنثى أو العكس؛ لأنها تعد بالنسبة إليه الملاذ والمسكن والسكينة والهدوء والطمأنينة والدفء، لنقول في نهاية المطاف إن مدينة مراكش تمثل للشاعر كل شيء في حياته.

 

[1]– نازك الملائكة، الصومعة والشرفة الحمراء، ص.: 167.

[2]– إحسان عباس، فن الشعر، ص.: 238.

[3]– عزالدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، ص.:238.

[4]– م ن، ص.: 200.

[5]– كمال أحمد غنيم، عناصر الإبداع الفني في شعر أحمد مطر، ص.: 144. 

[6]– محمد بوعابد، ماء ريم، سلسلة كنانيش مراكش، ص.: 7.  

[7]ماء ريم، سلسلة كنانيش مراكش، ص.: 9.

[8]– م ن، ص.: 12.

[9]ماء ريم، سلسلة كنانيش مراكش، ص ص.:37-38.

[10]– خليل الموسى، هجرة النصوص وجماليات القراءة والتلقي، ص.: 32.

 

 

المراجع

 

إحسان عباس، فن الشعر، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الرابعة، 1978م.

خليل الموسى، هجرة النصوص وجماليات القراءة والتلقي، مجلة الموقف الأدبي، عدد 417، كانون الثاني، 2006م.

عزالدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، دار العودة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1981م.

كمال أحمد غنيم، عناصر الإبداع الفني في شعر أحمد مطر، منشورات ناظرين، مطبعة ستارة، الطبعة الأولى، 2004م.

محمد بوعابد، ماء ريم، سلسلة كنانيش مراكش، مطبعة وليلي، مراكش، الطبعة الأولى، 2011م.

نازك الملائكة، الصومعة والشرفة الحمراء، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثانية، 1979م.

مواضيع متعلقة

اترك رداً

Anti-spam: complete the taskWordPress CAPTCHA